الشيخ محمد حسين الحائري

278

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

انكشاف خلافه ومع تعذر هذا النوع من الظن فالرجوع إلى ما يكون أقرب إليه مفادا من المدارك التي لا دليل على عدم حجيتها مع الاتحاد ومع التعدد والتكافؤ التخيير لامتناع الاخذ بما علم عدم جواز الاخذ به كما مر أو ترجيح المرجوح أو الترجيح مع عدم المرجح ومما يكشف عما ذكرناه أنا كما نجد على الاحكام أمارات نقطع بعدم اعتبار الشارع إياها طريقا إلى معرفة الاحكام مطلقا وإن أفاد الظن الفعلي بها كالقياس والاستحسان والسيرة الظنية والرؤيا وظن وجود الدليل والقرعة وما أشبه ذلك مما لا حصر له كذلك نجد علينا أمارات أخر نعلم بأن الشارع قد اعتبرها كلا أو بعضا طريقا إلى معرفة الاحكام وإن لم يستفد منها ظن فعلي بها ولو بمعارضة الامارات السابقة وهذه أمارات محصورة منها الكتاب والسنة الغير القطعيين والاستصحاب والاجماع المنقول والاتفاق الغير الكاشف والشهرة وما أشبه ذلك فإنا نقطع بأن الشارع لم يعتبر بعد الأدلة القطعية في حقنا أمارات أخرى خارجة عن هذه الامارات ومستند قطعنا في المقامين الاجماع مضافا في بعضها إلى مساعدة الاخبار والآيات حتى إن القائلين بحجية مطلق الظن كبعض متأخري المتأخرين لا تراهم يتعدون في مقام العمل عن هذه الامارات إلى غيرها وإن لم يستفد لهم ظن فعلي بمؤداها وحيث إنه قد وقع النزاع في تعيين ما هو المعتبر من هذه الامارات في نفسه وفي صورة التعارض ولا علم لنا بالتعيين ولا طريق علميا إليه مع علمنا ببقاء التكليف بالعمل بها كان اللازم الرجوع في ذلك إلى ما يستفاد اعتبارها من هذه المدارك الاحتمالية لتقدمها في نظر العقل حينئذ على المدارك المعلوم عدم اعتبارها شرعا مقدما للأقرب منها في النظر إلى غيره مع تحققه فثبت مما قررنا جواز التعويل في تعيين ما يعتبر من تلك الطرق التي هي أدلة الاحكام على الظن الذي لا دليل على عدم حجيته ثم على ما هو الأقرب إليه كذلك ولا ريب أن خبر الواحد إن لم يكن من الطرق القطعية فهو من الطرق الظنية للوجوه التي مر ذكرها فيجب العمل به وهو المطلوب واعلم أن العقل يستقل بكون العلم طريقا إلى إثبات الحكم المخالف للأصل ولا يستقل بكون غيره طريقا إليه ولو مع تعذره حيث لا يعلم ببقاء التكليف معه بل يستقل حينئذ لعدم كون غير العلم طريقا في الظاهر وبسقوط التكليف ما لم يقم على حجية غير العلم قاطع سمعي واقعي أو ظاهري معتبر مطلقا أو عند انسداد باب العلم إلى الدليل مع حصوله [ وأما الاعتداد بظن التكليف وتجويزه في وجوب الفحص عقلا فليس من حجية الظن أو التجويز في ثبوت التكليف المظنون أو المحتمل وإلا لما وجب الفحص بل لعدم تعويل العقل على أصل البراءة إلا بعد الفحص وعدم العثور على الدليل المعتبر ] ثم إن دل الدليل السمعي بأحد أنواعه على حجية طريق مطلقا كان في مرتبة العلم مطلقا فيجوز التعويل عليه ولو مع إمكان تحصيل العلم في تلك الواقعة وإن دل على حجيته عند تعذر العلم لم يجز التعويل عليه إلا عند تعذره فيقدم العمل بالعلم وبما دل الدليل السمعي على قيامه مقامه مطلقا مع تيسره وأما إذا انتفي الجميع وعلم ببقاء التكليف معه ثبت بحكم العقل وجوب العمل بالظن الذي لا دليل على عدم حجية ثم الأقرب إليه على ما مر وهذه مرتبة ثالثة متوقفة على تعذر المرتبتين المتقدمتين على أنه لو دل الدليل السمعي على حجية الظن عند تعذر العلم وما في مرتبته كان حجيته باعتبار الدليل السمعي خاصة دون الدليل العقلي وإن كان المؤدى واحدا لما عرفت من توقف دلالته على عدم السمعي فلا يتحقق معه إلا على سبيل التقدير [ ولأن حجية الظن حينئذ في مرتبة غيره ولو فرض قيام السمع عليه ولا ريب في تقديم مرتبة حجيته على مرتبة الظن المستند إلى دلالة العقل ولهذا يقدم عليه وكذا ما في مرتبته ] فاتضح أن للطريق ثلاثة مراتب لا يعول على اللاحقة منها إلا بعد تعذر السابقة ونحن حيث علمنا مما مر أن الشارع قد قرر في حقنا إلى معرفة الاحكام أصولا وفروعا ولو بعد انسداد باب العلم وما في مرتبته طرقا مخصوصة لم يجز لنا العدول إلى المرتبة الثالثة والاخذ بما يقرره العقل طريقا إلى معرفة الاحكام بل يجب علينا تحصيل تلك الطرق التي علمنا بنصب الشارع إياها وتعيينها بالعلم أو بما علم قيامه بالخصوص مقامه ولو بعد تعذره ومع تعذر ذلك كله كما هو الثابت في حقنا غالبا يجب الرجوع في التعيين إلى ما يقتضيه العقل من العمل بأقوى تلك الامارات على ما مر البيان فتبين أن طريقنا إلى معرفة فروع الاحكام الغير القطعية إما في المرتبة الأولى أو الثانية وإلى معرفة تفاصيل ذلك الطريق في المرتبة الثالثة والسر في الفرق أنا لما راجعنا طريقة أصحابنا وجدناهم يعتمدون في فروع الاحكام على طرق ومدارك مخصوصة مطبقين على نفي حجية ما عداها مع إمكان الرجوع إليها مطلقا وفي إثبات حجية تلك الطرق وتعيين ما هو المعتبر منها على أدلة قطعية عندهم كالاجماع والكتاب كما يدل عليه احتجاج الشيخ وغيره فكان طريقهم في معرفة طرق الفروع في المرتبة الأولى من المراتب المتقدمة وحيث إن الاجماع غير ثابت عندنا على التفاصيل ودلالة الكتاب عليها أيضا غير واضحة ومثلها دلالة الأخبار المتواترة وجب علينا الرجوع في معرفة التفاصيل إلى ما يقتضيه العقل من العمل بالظن الذي لا دليل على عدم حجيته ثم ما يقرب إليه بالتفصيل المتقدم ولا ينافي ذلك ما مر من قيام الاجماع وغيره عندنا على حجية خبر الواحد في الجملة حيث إن طريق حجيته يكون حينئذ عندنا أيضا في المرتبة الأولى لان مساق هذا الدليل مبني على الاغماض عنه مع أن ذلك لا يجدي في مقام العمل إذ لا بد فيه من معرفة التفاصيل وشئ من تلك الأدلة لا تساعد عليها ويتوجه على هذا الوجه إشكالات لا بد من التنبيه عليها وعلى دفعها منها أنا لا نسلم بقاء التكليف بالعمل بالأدلة المقررة من حيث الخصوص بعد انسداد باب العلم إليها حتى يتفرع عليه وجوب العمل بالظن في تعيينها وإنما المسلم حينئذ ثبوت التكليف بالعمل بها في الجملة ولو من حيث القطع ببقاء التكليف بالأحكام وانفتاح باب الظن إليها على الوجه الذي قرر حصوله بتلك الأدلة وإذا لم يثبت بقاء التكليف بالعمل بتلك الأدلة من حيث الخصوص بطل ما فرع عليه من وجوب العمل بالظن في تعيينها والجواب أن الأدلة المخصوصة بعد نصب الشارع لها دليلا من جملة أحكام الوضع فتندرج في الأحكام الشرعية فلا يسقط اعتبارها بعد انسداد باب العلم إليها كسائر الاحكام فإن الاجماع